حسين مردان شاعر البؤس والتمرد
aaaaaaa-
فاجأ شاعر البؤس والتمرد حسين مردان (1929 ــ 1972) المشهد الثقافي العراقي بمجموعته الشعرية المثيرة (قصائد عارية) 1949 ليفجر حراكاً شعرياً طال جميع قواعد الشعر: العروض والأوزان والقوافي والمفردات والموسيقي والمعاني، وأسّس لتواطؤ استفحل فيما بعد، تواطؤ بين النثر والشعر، بدا أول الأمر ساذجاً، طفولياً، مشاكساً، ثم تدرج مع العمر والمعاناة والتجربة وقسوة الحرمان ووهج الوعي، ليصبح معرفياً وأساسياً في مواجهة التخلف والجهل وقصور الوعي، كما في مواجهة التشكيك والرفض المتولد عن ذلك، أدرك حسين مردان مبكراً أنه يخالف قواعد المرور ونظام السير، وأنه يتحرك بالاتجاه المعاكس لحركة الثقافة التقليدية والموروث النظمي والانشائي، ..... وقد عزز تمردهُ وكرّس التزامهُ موسيقي الكلمة ــ المفردة ــ عندما أصدر مجموعتهُ (اللحن الأسود) عام 1950 وأعاد طبع (قصائد عارية) عام 1955 ثم أطلَ علي شعراء المرحلة بمجموعتهِ (الأرجوحة هادئة الحبال) عام 1958 متحملاً تبعات الاتهام بـ (الوجودية) و (العبثية) بينما لم تكن تعنيهِ موضوعة (الفلسفة) كثيراً بقدر ما كان يهتم بـ (الابداع الفني) والتحرر من القوالب والانصات لموسيقي المفردة، لذلك كان عزوفهُ الواضح عن طرح المقولات الفلسفية في نصوصهِ، لقد كانت همومهُ أكبر من ذلك .. وظل علي مواقفهِ الرافضة والمتمردة حتي أدرك الجميع ــ متأخراً ــ ان قصائده ونثرياته كانت أشبه بمدونات تنظيرية تحمل نبوءة التجديد وتؤشر قصائده ــ أو بعض قصائده ــ الي عدمية الحياة وتصور الحرمان الذي عاشه في طفولتهِ وصباه وشبابهِ، فما كان به فائض نعمه ليتفرغ للثقافة، يوم كانوا يرون في الثقافة ترفاً وبطراً !!؟ هذا الحرمان ــ المادي والعاطفي ــ وبما عاناه حسين مردان من جفاف ونشاف، أجج في أعماق ذاتهِ اليقظة الشديدة التحسس والانفعال، روح التمرد .. حد الصعلكة، أسوة برفاق شعراء أمثال عبد الحميد الديب في مصر، وعبد الأمير الحصيري في العراق!! لم يكن يفلسف ولا يؤدلج، ولكن الزمن كان مخادعاً، كما الحلم، كان من حق حسين مردان ان يعيش وان يحلم وان يكتب وان يتغني ... وان يعشق .. كان دأبهُ كإنسان مرهف ان يجد امرأة (تتعاشق) معه !!؟ شأن العصافير والفراشات والقطط السائبة !! وهكذا حاول تمزيق استار (العيب) و (الأحتراب الأخلاقي) عبر مناوشات شعرية تتحرش بـ (التابوات) .. بل تقتحمها أحياناً كما في بعض مجاميعهِ الشعرية...
وذاكرة الشعر العراقي تُنبئ بما اقترفهُ حسين مردان، لقد مهد الطريق للانتقالات والتحولات الشعرية والفكرية التي أحدثتها نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري .. هل أمتلك حسين مردان عينان نبوئيتان أنبأتاه عن ذلك المجهول: التحول .. !؟
ولكن السؤال، كيف لشاعر وُلِدَ ونَشَأَ ودَرَسَ خلال حقبة زهو الثقافة التقليدية .. وحفظ مطولات قصائدها ومعلقاتها، وتمثل:
(قفا نبكِ من ذكري حبيب ومنزل
بسقط اللوا بين الدخول فحومل
وقرأ
بكي صاحبي لما رأي الدرب دونه
وأيقن أنا لا حقان بقيصرا
فقلت لا تبكِ عينك انما
نحاول مُلكاً أو نموت متعذرا
ونجح في (إعراب ما تحته خط) وقرأ رفاعة الطهطاوي والمنفلوطي والمازني والعقاد. كيف يمكن لشاعر هذه بضاعته ان يصبح من رواد التجديد والتحول في الأدب العربي يصطف مع أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ونازك الملائكة والبياتي والسياب كيف!؟
ولكن حسين مردان سبق بعضهم بحسابات الزمن الشعري، وكان ذلك قبل ان تتناثر أوراق (ادونيس) (أوراق في الريح) وقبل ان يطلع (أنسي الحاج) بمجموعته الشعرية (لن) ودون ان يقف (يوسف الخال) عند (البئر المهجورة) ديوانه المبكر ... قبل كل هذا وذاك انطلق في بغداد صوت شعري فريد مميز هو صوت (حسين مردان) .. ولكن ضجيج الثقافة في بيروت كان أقوي .. فلم ينصت النقاد الي ذلك الصوت الشعري (الشاذ) !! في بغداد، فأنكفأ حسين مردان ليؤسس لانطلاقة وحشية شعرية وليصارع في وطنهِ الحُكام والمحاكم والسجون والفقر والواقع الثقافي التقليدي .. وليعلن التمرد علي الموروث الشعري وقوالبهِ، وليتلقي بدلاً من (الاحتفاء) الرفض والمطاردة ...
نري، اذن، ان الشجاعة والمباغتة وروح الابداع كانت دوافع حسين مردان ليحمل سيوف الكلمة ويفقأ بها دمامل السكون والعجز، ليبدع للحياة، للحزن وللفرح، ويقدم كل ما تختزنهُ ذاتهُ المتوهجة من توتر ودهشة وقصائد ..، حاول بها ان يغلّب الصراع علي السكون لأنهُ أيقن ان الصراع الفكري لابد ان يفضي الي التغيير..
يجئ الشعر عند حسين مردان مرادفاً للبؤس والموت أحياناً، يجئ مثقلاً بالوعي الحاد، لتعبير فني يتشكل وفق سلسلة من الدوافع الخفية المختزنة في رؤي الشاعر، وفي رغباتهِ السرية التي يغامر بالافصاح عنها احتجاجاً وتمرداً، لم يكن يزخرف القصيدة التي يقدمها (أحياناً) غنائية ــ لا كابوسية ــ يتعمد ان نؤشر الخيبات الذاتية بسخرية وهزل ..لم يكن يرسم تقنيه للقصيدة قبل اكتمالها .. كان يدعها تنمو وتستطيل وتتفرع شأن فسائل النخيل وشجيرات النارنج والبرتقال، ولأنه من (قضاء الخالص) حيث غابات الحمضيات وحقول النرجس وأسراب البلابل، فقد التزم التلقائيه والعفوية التي تدفع كلماتهِ دفعاً، حتي لقد تحمل عذابات قصائدهِ تشريداً ومطاردةً وسجناً .. لقد سدد بالكامل فواتير قصائدهِ.
الحياة اللذيذة
كان حسين مردان متمرداً حد اختراق المحظورات والعيب، شعراً ونثراً، واذ نعود الي كتاباتهِ يتأكد لنا اليوم أنه كان كائناً متفرداً في رؤاه الفكرية وعلاقاتهِ الاجتماعية، سابقاً زمنهُ الاجتماعي ومتفوقاً عليهِ، سيما اذا أسلمنا بأن المشهد الشعري العراقي كان يومذاك ما زال يعيش حقبة عبد المحسن الكاظمي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف عبد الغني الرصافي كان يكتب عن (الحياة اللذيذة) وعينهُ علي الفقراء !! لم يكن شعره (فتات) فائض عن حاجة المترفين و ــ كذا كتاباته ــ التي كانت جميعها نثراً وشعراً زادهُ اليومي ورغيف خبزهِ الحار يشارك به منْ يلقي من (أرباب الشوارع) و (رواد المقاهي) والحانات البائسة ومتسكعي الارصفة والطرقات الخلفية وحافات المياه من مسافات شارع أبي نؤاس، يوم كان شارع الانس المتواضع، .. مرة شرب حسين مردان بنطلونه، شربه مع اصحابهِ باع البنطلون ليحصل علي قنينة خمر ثم يعتكف!!
بمعايير ذلك الزمان، كان حسين مردان شاعراً سيء السمعة!! ولطالما أمضَ أياماً طويله في السجن أو (الموقف) أو في قفص الاتهام في المحاكم البغدادية!!؟
لم تكن قصائده متأنقه مسترخية بقدر ما كانت نافره، متوترة، ضاجه بالرغبة، مثقله بالشهوة!!
ترك حسين مردان طائفة مثيرة من الكتابات والكتب، شعراً ونثراً نذكر منها:
1ــ قصائد عارية ــ مجموعة شعرية نشرها ببغداد عام 1949 وأعاد طبعها عام 1955 واثارت له العديد من الإشكالات القانونية والثقافية، سوف نتناولها لاحقاً.
2ــ اللحن الأسود/شعر، بغداد 1950 قصيدة طويلة.
3ــ صور مرعبه/بغداد 1951 ــ نثر مركّز.
4ــ رجل الضباب/بغداد 1951 قصيدة طويلة.
5ــ عزيزي فلانه/قصة طويلة/بغداد 1952 (سرد نثري مركز) .
6ــ الربيع والجوع/نثر مركز/بغداد 1953 .
7ــ نشيد الانشاد/بغداد 1955.
8ــ العالم تنور/بغداد، بدون تأريخ.
9ــ هلاهل نحو الشمس/بغداد 1955 وربما 1959 .
10ــ رسالة من شاعر الي رسام/بغداد 1956/رسالة حسين مردان الي شاكر حسن آل سعيد.
11ــ مقالات في النقد الأدبي/بغداد 1955.
12ــ أغصان الحديد/بغداد 1960.
13ــ الأرجوحة هادئة الحبال/بغداد 1958.
14ــ طراز خاص/بيروت 1967.
15ــ الأزهار تورق داخل الصاعقة/بغداد 1972، الكتاب من إصدار وزارة الإعلام ويضم (78) مقالة تحمل تجارب ومعاناة الشاعر ، ونظرتهِ للأشياء من حولهِ والأحداث.
ـوقد طالعنا في السنوات الأخيرة الكثير من المقالات في الصحف العراقية تناولت حسين مردان وحياتهِ البوهيمية وكتاباتهِ المتمردة وقصائدهِ النثرية وما تركه من أثر في الحياة الثقافية العراقية، حتي لقد اعتبره البعض (ظاهرة) مميزة طبعت الأدب العراقي (الجديد) بطابعها الذي عُرفَ بالابتعاد عن العروض والخلط بين الوزن والإيقاع في الشعر، وإبراز المعاني والأصوات، واعتماد لغة جديدة غريبه وجملة شاذة -سوي أنها مثيرة- والتفريق بين (الأوزان) و (البحور) والعناية بهندسة شكل القصيدة دون الالتفات الي التجانس اللغوي والبلاغي، انه يقدم (قصيدة النثر) حين يحس انه يُعبر بها عن رُؤاه الذاتية والاجتماعية، حتي وان خالفت قواعد الشعر وقوانينهِ، وجاءت أقرب الي الفوضوية النظمية!!؟ وقد رصدنا ــ بتواضع ــ التناولات التي ندرجها، كما نشرت في صحف العراق، ومعذرة ان فاتنا موضوع أو مقال:-
ــ شكيب كاظم: (ظاهرة الموت في أدب حسين مردان)
جريدة (العراق) بغداد ــ 5 تشرين الأول 2001 م- ص 4.
ــ طلال سالم الحديثي: (أوليات نقدية: حسين مردان والنقد)
جريدة (الجمهورية) بغداد ــ 14 كانون الأول 2002 م ــ ص9.
ــ عبد الكريم كاظم: (رسالة الي الشاعر حسين مردان) جريدة (المشرق)
البغدادية 15 تموز 2006 م ص10.
ــ (حسين مردان: انا دكتاتور الأدب وشيخ المشردين)
مقال علي حلقتين نُشر في (المشرق) البغدادية بعدديها ليومي 4 و 5 تموز 2007 م دون ذكر اسم الكاتب.
ــ علوان السلمان: (حسين مردان .. العذاب. الانتماء)
ـ جريدة (المشرق) البغدادية 5 حزيران 2007 ص 10.
ــ الدكتور جليل كمال الدين الحسيني: (حسين مردان)
جريدة (المشرق) البغدادية 17 أيلول 2007 ص 7.
ــ عبد القادر الجنابي: (كآبة بغداد: ديوان حسين مردان المفقود) (المشرق) 18 أيلول 2007 م ص 10.
احمد محمد امين (حسين مردان ثانية: كنتُ أنصفتهُ فسجلتُ له وفاءً) (المشرق) 3 تشرين الأول 2007 م ص 10.
ــ (دار الجديد تنبش ديوان الشاعر الجريء حسين مردان) (المشرق) 2 شباط 2008 م ص 10.
ــ فاضل طلال القريشي: (من ذاكرة التاريخ العراقي: حسين مردان ــ مقولة عبد الله الحلي) (المشرق) 23 تشرين الأول 2008 م ص 7.
ــ عواد ناصر: (حسين مردان في ذكراه) الزمان في الأول من كانون الأول 2008 م ص 10.
ــ ابراهيم محمود: (ما لم يصرح به حسين مردان أو بودلير العراق) الزمان 20 كانون الأول 2008 م ص 9.
ــ جيان (يحيي بابان) يكتب عن حسين مردان (وطن وذكريات) صحيفة (تاتو) بغداد 15 تشرين الثاني 2009 م ص 6.
مالئ الدنيا وشاغل الناس
ـونضيف، بأن بعض الصحف العراقية قد اصدرت ملاحق خاصة عن حسين مردان، وأقامت احتفالية خاصة استذكاراً له، ومن هذه الصحف (المدي) ... اذن، ما زال حسين مردان (مالئ الدنيا وشاغل الناس) رغم مرور اكثر من ربع قرن علي رحيلهِ، وما زالت الصحافة الورقية، والصحافة الالكترونية، مواقع الانترنت، والأوساط الأدبية هنا وهناك .. ما زال الجميع يشتغلون علي موضوعة حسين مردان الشاعر الذي لم يكتب قصائد (درامية) ولا (تقليدية) في زمن سيادة شعر الرصافي والزهاوي والكاظمي (عبد المحسن) والشبيبي (محمد رضا) وعلي الشرقي كما أسلفنا ..، بل جاءت قصائدهُ ذهنية استفزازية، قصيدة سؤال ووخز وتفجير .. قصيدة رعشه وحيرة، يقنص المفردة، الكلمة وينصت لموسيقاها ووقعها محاولاً فك الغموض، وتغليب الصراع علي السكون، الصراع حركة، والسكون موت!! بينما جاءت غنائيتهُ في مقاطع قصائده شكوي وتذمر ورفض، لم تكن كلماته عذبه فقط، لقد كانت غامضه ايضاً لا تنصاع لقمع المحرمات (التابوات) واتاح للمشاعر الانسانية ان تحكم بناء القصيدة وان تؤشر الهموم وتبرز الخيبات والاحباطات الذاتية والسياسية، كان شعره يروّج للحلم بمعزل عن الافلاطونية ويوتوبيا المدن الفاضلة .. كان حسين مردان ذاتياً انانياً في كثير من حالاته، يرسم تقنية القصيدة قبل اكتمالها فيدعها تنمو وتستطيل وتتفرع شأن فسائل نخل العراق وشجيرات النارنج والبرتقال في موطنهِ (الخالص).. لا أحد ينكر عفوية شعرهِ وتلقائيتهِ اذ تتدافع الكلمات الواحدة تلو الأخري دون ان يتوقف عندها أو يراجعها ... كانت رغباته السرية تفضح قصائده، وعندما يجيء شعره مرادفاً للبؤس والموت ومثقلاً بالوعي الحاد، يفيض بالاحتجاج والتمرد .. يكون آنذاك هو شعر حسين مردان بصدق، ورغم أنهُ تألق واشتهر فإننا نستطيع أن نقول عنهُ أنه لم يكن شعراً بلا عيوب، لا سيما حين نفحصهُ تحت قواعد واصول (نظرية الشعر) وقد أجمع النقاد علي محدودية ثقافة حسين مردان، كتب الناقد الراحل الدكتور احسان عباس ان مردان ظهر في (فترة سئم الناس فيها في العراق مواعظ الرصافي باسم الشعر الاجتماعي ومنظومات الزهاوي باسم الأفكار العلمية، وكانت الرومانطيقية هي اللون الجديد المستظرف حينئذٍ) ((د. احسان عباس: \" بدر شاكر السياب: دراسة في حياتهِ وشعره \" دار الثقافة ــ بيروت 1969 ص 31.))
ـاشتغل حسين مردان علي (قصيدة النثر) طويلاً، ورغم ان مسألة قصيدة النثر مسألة حيوية طغت علي الحياة الشعرية العربية منذُ عقود من الزمن، وان الحديث فيها وعنها يطول، وان دراسات كثيرة تناولتها، إلا اننا نري انه من المفيد ان نشير الي ان جبران خليل جبران الشاعر اللبناني ــ المهجري قد كتب عام 1909 ستاً وخمسين قصيدة نثر، كانت محض تأليف أدبي، رغم انها أُعتبرت أسلوباً شعرياً جديداً أقرب الي النثر الفني، وتبقي قصيدة النثر وريثاً (غير شرعي) لكل من الشعر والنثر علي حد سواء، علي وفق رأي الناقد الراحل الدكتور عناد غزوان (المنهجية في النقد تعني الحرية في اضاءة النص ــ آفاق عربية ــ أيلول 1987 ص 130) كما ان شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري اعتبر عام 1979 (القصيدة الحديثة وليد غير شرعي) بينما اعتبرها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي (القصيدة الخرساء) في كتابهِ الصادر مؤخراً عن ((دبي الثقافية) ..!! وليس من العدل ان نربط بين (الصعلكة) و (قصيدة النثر) كما فعل البعض!!؟ مع الإقرار هنا بأن (الصعلكة) ليست مرادفاً للانحطاط والابتذال، انها مجرد موقف من الحياة والناس، وهنا نستذكر من الشعراء في العراق عبد الأمير الحصيري وحسين مردان، وفي مصر عبد الحميد الديب ومحمد الأسمر الذي تغني بالموت واشتهاه وربما ناوش الصعلكة!! ويري الاستاذ شكيب كاظم ان لا أحد من الأدباء العرب طغت علي كتاباتهِ مسألة (الموت) مثلما طغت علي كتابات حسين مردان، ويشبهه في هذا الشاعر المصري الراحل محمد الأسمر.
وفي رسالة عبد الكريم كاظم الي حسين مردان تذكير بأيام الصعلكة والتشرد، وحانة (هافانا) التي أصبح اسمها اليوم (الوردة) في أبي نؤاس، وذلك الزاد اللذيذ الذي يتحلق حوله البؤساء: صحن الفلافل والبيض المسلوق في مطعم شعبي مجهول بساحة الطيران ببغداد، ويسألهُ \" صديقي العزيز .. يا سيد الندامي، هل تابعت مثلي ما جري من احتلال وغزو للعراق!؟ لقد أحرقوا المسارح ونهبوا المتحف العراقي وعاثوا بكل ما تختزنهُ المكتبة الوطنية ثم اضرموا بها النيران !! \".
تنظير الانحطاط
لطالما أُتهم حسين مردان من قِبل مجايليهِ من الأدباء والنقاد والصحفيين بأن ما يقوم به ويفعلهُ ويكتبه ليس أكثر من (شرعنة الأباحية) و (تنظير الانحطاط) الأمر الذي قادهُ الي المحاكمات والسجن، كما ان الشعراء التقليديين لم يسرهم ما كان يقوم به حسين مردان من تحطيم الأصول اللغوية بدعوي (تفجير اللغة) كمقدمة للحداثة! لا سيما قبل أن يأخذ (الشعر الحر) سياقهُ الكلاسيكي، فنظر هؤلاء الي (الجملة النثرية) و (النثر المركز)
و(قصيدة النثر) علي أنها مجرد (اغراق في الغرابة) ليس إلا، ولم ينظروا اليها باعتبارها حركة طليعية تجديدية .. ، وعابوا علي حسين مردان انه أخلّ بقاعدة (البيت بوصفه الوحدة البنائية للقصيدة) ...الخ وقد ناقش حسين مردان هذه الأمور في مقالات عديدة ضمها كتابه (الأزهار تورق داخل الصاعقة) نذكر منها: (الموسيقي الداخلية في القصيدة الحديثة) ص 185 و (المعني في القصيدة الحديثة) ص 178 و (الموسيقي الخارجية في القصيدة الحديثة) ص 202 و (النثر الشعري) ص 209 كما تناول ذلك في مناقشتهِ للبيان الشعري 1969 بعدة مقالات ضمها الكتاب من ص 163 الي ص 184 وجاءت الموضوعات تحت عنوان رئيس (حول البيان الشعري) وعناوين فرعية (رحيل الكلمات) (الحرب والوحوش) (الماركسية والوعي) (امامة الوعي) (الشعر والآخرون) (الشعر بين الغيبوبة والوعي) بدأ بمقولة سارتر: (كل شيء غير مستقر .. من حبة الرز الي السدم الكونية، وحتي الموت الذي ــ في الظاهر ــ شكل العدم المطلق، هو عملية تحوّل للحركة .. فالنماء المستمر صفة الوجود .. وكل وجود سبق الماهية) ثم يورد مقولة من (سفر التكوين) \" خُلق الكون بكلمة \"..، وينعطف الي قول (لينين) \" ينبغي لنا ان نحلم \" ويستشهد بمقطع من قصيدة (بودلير) (العائد): \" وكالملائكة .. بعين شاحبه .. سأعود الي مخدعك .. وانزلق الي جوارك دون ضوضاء مع ظلال الليل \" ثم بمقطع من قصيدة (رامبو): \" الشاعر في السابعة \" (وفي الدهاليز المزوقة بأبسطة حائله، كان يمد لسانه .. ويشد القبضتين الي فخذيهِ بقوة، ويرمي بعينين مغمضتين بقعاً من الضياء ..) ص 166 ثم يقرر (ان معظم ما طرح في البيان الشعري هو مطابق لمفاهيم السريالية) ص 173، بينما كان قد أقر بـ (ان الكلمة العائمة ترج الماء .. لكن الدوائر التي تحدثها لا تصل الي الشواطئ) ص 164.
حسين مردان: آراء مفاجئة!! وقصيدة مفاجئة!؟
كتب حسين مردان: (الشاعر العظيم هو الذي يُحدّق بعيون الهدهد في التراب الذي يملأ رئتيه) وكتب ايضاً (الرسام اذا جرب الحب لا يرسم الحب نفسه، ولكن يرسم ما يبعثهُ الحب فيه)!!؟ وايضاً (النقد هو السنام الذي تتغذي به الحركة الأدبية، والناقد هو الراصد الذي لا يتعب من التحديق في الآفاق المجهولة ليكتشف النجوم الجديدة، ويحذّر العالم من سقوط المذنبات والنيازك المحترقة) (الناقد هو عين القارئُ السحرية التي تُريه القبيح المستتر وراء الجمال، وتُظهر له الجمال المختفي خلف القبح)!؟ وعن قراءتهِ لأحد دواوين عبد الوهاب البياتي، يكتب حسين مردان: (ان للكلمة وحركتها أهمية كبري في الشعر الحر ... انه يعتمد الي حد كبير علي موسيقي الكلمة وحركتها داخل المقطع ... الشاعر الحديث يتحسس الكلمة ككائن حي ويستغل ما في داخلها من موسيقي ..) آراء نقدية مفاجئة ــ حينذاك ــ ضمها كتابه (مقالات في النقد الأدبي) الصادر ببغداد عام 1955 وقد أورد هذه النصوص الأستاذ طلال سالم الحديثي في مقالهِ (حسين مردان والنقد) .. ولكن الشاعر عاد بعد ما يقرب من عقدين من الزمن ليؤكد في مقالة لهُ بعنوان (الناقد والرؤيا الثلاثية) ان (الناقد الحقيقي هو الذي يأخذ علي عاتقهِ إعادة تصحيح الصورة العامة أو المفردة عند القراء، وعند المجتمع ككل ... حيث ان الناقد يقوم بعدة ادوار في وقت واحد، فهو شارح ومقيّم وموجِهْ ايضاً ...) \" الازهار تورق داخل الصاعقة \" ص 142.
وفي مقابلة صحفية معه نشرتها مجلة (الف باء) عام 1969 وأعادت نشرها أسبوعية (عراقيون) في 15/10/2009 يقول حسين مردان (ان القصيدة الحديثة تعتمد علي تجزئة التفاعيل والمحافظة علي الموسيقي الداخلية.. وقد التقيتُ مرة بالشاعر اللبناني امين نخلة واستمعت اليه وهو يتهجم علي الشعر الحديث وعندما قرأتُ له بعض قصائدي ابدي ارتياحهُ لأن ما يُنشر تحت هذا الاسم لا يمت الي الشعر الحقيقي بِصله !!) وعندما سأله المحرر هل تعتقد ان الأمثلة الشعرية التي قدمتها كانت ناجحة ومقنعه؟؟ أجاب (ان ذلك من مهمة النقاد، وما دمنا لا نملك ناقداً واحداً فستبقي المشكلة مطروحة الي اليوم الذي اقرر فيه ان اصبح انا نفسي ناقداً وانني في طريقي الي ذلك وعندها الويل لكم)!!! وجواباً علي سؤال: لمَن قرأت من الشعراء الذين جاءوا بعد جيلكم؟ أجاب (لقد صدمتني الآن، واني لا اعترف بقصوري عن تتبع النتاجات الشعرية للشعراء الشباب، الا ان هذا لا يعني ان انا لم اقرأ لبعضهم، والمصادفة هي التي تتحكم بهذا الشاعر او ذاك وكثيراً ما كشفت لي هذه المصادفة عن شاعر ممتاز، ومن هؤلاء فاضل العزاوي وشاعرة ذات اجنحة متعددة ولكنها قصيرة اسمها آمال الزهاوي علي انني ألوم هؤلاء الشعراء لأنهم لم يحملوا الي شخصياً ما ينشرون من مجموعات !!) وعندما سأله: هل تعتقد ان من واجبهم ان يفعلوا ذلك؟ كان الجواب المفاجئ، حين رد: (طبعاً، فأنا دكتاتور الحركة الأدبية وباستطاعتي ان أهد الجبل علي أي شاعر، كما باستطاعتي ان اضعهُ فوق اكبر ناطحة سحاب، فحتي السياب وهو الشاعر الفذ، كان يقرأ فيّ قصائدهُ الجديدة لأنني لستُ شاعراً فحسب بل لأنني أحد مُنظري الشعر)!!
لا نعلم بالضبط متي كتب حسين مردان قصيدتهُ المثيرة (الليل والغليون) ولكننا نعرف انه نشرها ضمن ديوانهِ (قصائد عارية) الصادر عام 1949، وبذلك يكون حسين مردان قد سبق الشاعر نزار قباني في قصيدته الذائعة (خبز وحشيش وقمر) التي جاءت ضمن مجموعتهِ (قصائد) الصادرة عام 1956، تقول قصيدة نزار قباني:-
عندما يولد في الشرق القمر
فالسطوح البيض تغفو
تحت أكداس الزهر
يترك الناس الحوانيت ويمضون زُمر
لملاقاة القمر
هنا في (خبز وحشيش وقمر) تدخل مفردة (حشيش) التي أدخلها قبله حسين مردان في قصيدتهِ (الليل والغليون) والغليون هنا (مبخرة الحشيش).. نقرأ
هذه هي الحياة
غرفة دافئة، وجسدٌ عارٍ،
وزجاجة خمر
وحفنة من الحشيش
.........
الليل والغليون
وحفنة الأفيون
تُثير بي الجنون
للصخب الملعون
........ الخ القصيدة
حسين مردان .. حالات وخصوصيات
في عام 1952 كان حسين مردان مسجوناً في سجن بغداد المركزي، مع عدد من الشيوعيين العراقيين، ومنهم (باقر ابراهيم) القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، وحدث ان مات في تلك السنة جوزيف ستالين الزعيم السوفييتي ورأس الدولة السوفيتية، فأقامت منظمة الحزب الشيوعي في سجن بغداد حفلاً تأبينياً لستالين ، ألقي فيهِ حسين مردان قصيدة كان مطلعها
الصمت ران علي الوجود كأنما
لم يبقَ حيٌّ في الطبيعة ينطق!!
وقد ذكر ذلك الدكتور كاظم الموسوي في مقالهِ بجريدة (التيار) البغدادية يوم 24/5/2009، الشيوعيون، من رفاق حسين مردان، كانوا يريدون منه ان يكتب قصائد عقائدية سياسية أشبه بالمنشورات الحزبية الجامدة، ولكن حسين مردان لم يكن في شخصيته وطموحاته وأحلامهِ لينسجم مع كذا التزام، رغم اصطفافهِ مع اليسار درءاً للظلم الواقع علي المسحوقين والفقراء ..، كان مردان مترعاً بالشهوة .. شهوة الحياة وشهوة الجنس!!.. ولذلك كان يحاول ان يميّز نفسه عن الشيوعيين وان يطبع حياته بطابعهِ الخاص، القلق والتمرد والرفض كانت أقانيم ابداعاته وكتاباتهِ..
خمسة أصوات
في أمسية خريفية من أماسي اتحاد الأدباء العراقيين، وعلي حدائق الاتحاد الكائن في ساحة الأندلس ببغداد، رفض حسين مردان عام 1961 التوقيع علي مذكرة تشجب الأحداث العسكرية في شمال العراق (أيلول 1961) وتطالب بوقفها .. كتب المذكرة ووقعها عدد من الأدباء اليساريين والديمقراطيين ..
وجسدت السينما العراقية شخصية حسين مردان في فلم (المنعطف) عام 1975 الذي اخرجهُ المخرج جعفر علي عن رواية غائب طعمة فرمان (خمسة أصوات) 1967 فكانت شخصية (شريف) التي اداها الفنان القدير يوسف العاني، ولا شك ان المُشاهد، والمتابع لمس بعض الاختلاف بين شخصية الفلم وشخصية الرواية وبين الشخصية الحقيقية!! وقد تعرض حسين مردان الي الأجواء الحقيقية التي ولدت رواية (خمسة أصوات) في سلسلة مقالاته عن (المقاهي الأدبية) والتي ضمها الي كتابهِ (الأزهار تورق داخل الصاعقة) من ص 121 ــ ص 132. كما ان القاص شوقي كريم كتب مسلسلاً عن حياة حسين مردان لم يرَ النور ولم يُعرض إطلاقاً !!، وكذلك فعل الكاتب علي حسين في مسرحية (عودة الغائب) .. كان المشهد الثقافي العراقي طوال عدة عقود مشغولاً بمفاجئات ونبوءات حسين مردان وكتاباتهِ وأفكارهِ وسلوكهِ المثير المحزن ــ أحياناً ــ فجاءت بعض الأعمال الدرامية والنصوص الابداعية لمجايلي الشاعر، ومن أجيال بعدهِ، لتضيء حياتهُ وتجربته الثقافية وانصافاً له، كتب كبير النقاد العراقيين الراحل الدكتور علي جواد الطاهر عام 1988 (من يفرك الصدأ) الكتاب الذي أوجز سيرة حسين مردان، \" من اين جئت ..!؟ ان جبيني يلمس ارجلِ الوعل \"!!
ومن الملفت، أننا نجد اليوم مَن يشكك بشاعرية حسين مردان، وشاعريته كانت جوهر كينونتهِ الثقافية والانسانية .. فكيف!!؟؟
في اصبوحة (بيت الثقافة والفنون) في شارع المتنبي ببغداد، المكرسه للاحتفاء بالذكري السابعة والعشرين لرحيل حسين مردان يوم 16 تشرين الأول 2009 م، أبدي القاص شوقي كريم رأياً بشعر وشاعرية مردان، قائلاً (فحسين مردان ليس شاعراً كبيراً إطلاقاً، وإنما هو يقيم علي حافة الشعر، ففي تجربتهِ الشعرية الكثير من الضعف ...الخ) ولا يتفق رأي الناقد الدكتور علي جواد الطاهر مع هذا، انه قال (اذا ورد طعنٌ في أخلاق الشعر، فلم يرد مسٌ بسلامة الشاعرية عند حسين مردان) \" مَنْ يفرك الصدأ \".